محمد متولي الشعراوي

5842

تفسير الشعراوى

وجاء الحق سبحانه بكل ما سبق ؛ لأنه سبحانه قد شاء أن يعطى لقريش فرصة التراجع في عنادها للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، هذا العناد الذي قالوا فيه : إنهم يتبعون ما وجدوا عليه آباءهم ، وهذا قول مغلوط ؛ لأن الآباء في الأصل كانوا مؤمنين ، ولكن جاءهم الضلال كأمر طارىء ، والأصنام التي عبدوها طارئة عليهم من الروم ، جاء بها إنسان ممن ساحوا في بلاد الروم هو « عمرو بن لحىّ » « 1 » ، فإن رجعتم إلى الإيمان بعد عنادكم ؛ فهذا هو الطريق المستقيم الذي كان عليه آباؤكم بالفطرة والميثاق الأول . ويقول الحق سبحانه بعد ذلك : هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ وهذه الآية الكريمة جاءت مرحلة من مراحل إخبار اللّه سبحانه وتعالى عن المعاندين لدعوة الإسلام ، التي بدأها الحق سبحانه بأنه قد رحمهم فأجّل لهم استجابة دعائهم على أنفسهم بالشر ، ولو أنه أجابهم إلى ما دعوا به على أنفسهم من الشر في قولهم : إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ . . ( 32 ) [ الأنفال ]

--> ( 1 ) ذكر ابن هشام في السيرة النبوية ( 1 / 77 ) أن عمرو بن لحىّ خرج من مكة إلى الشام في بعض أموره ، فلما قدم مآب من أرض البلقاء ، وبها يومئذ العماليق ، رآهم يعبدون الأصنام ، فقال لهم : ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون ؟ قالوا له : هذه أصنام نعبدها ، فنستمطرها فتمطرنا ، ونستنصرها فتنصرنا ، فقال لهم : أفلا تعطوننى منها صنما ، فأسير به إلى أرض العرب ، فيعبدوه ؟ فأعطوه صنما يقال به هبل ، فقدم به مكة ، فنصبه وأمر الناس بعبادته وتعظيمه .